الاقتصاد السوري هل انتهت مرحلة السقوط الحر ؟

 

استمر تدهور الاقتصاد السوري لعدة سنوات نتيجة العزلة الاقتصادية والعقوبات الغربية وانهيار العملة المحلية، وهي عوامل تسببت في انكماش وركود حاد انعكس على انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القوة الشرائية.

وبحسب تقديرات البنك الدولي، بدأ الاقتصاد السوري منذ عام 2011 بالتراجع بشكل حاد نتيجة الصراع والعقوبات، ما أدى إلى خسارة أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2023، إضافةً إلى التدهور المستمر في قيمة العملة المحلية. كما ساهمت هجرة أصحاب الأعمال والكفاءات في تعميق الأزمة، نتيجة غياب البيئة الاقتصادية الداعمة للاستثمار والإنتاج.

ومع ذلك، يشير تقرير البنك الدولي لعام 2025 إلى انتهاء مرحلة الانكماش التي عاشها الاقتصاد السوري و تسجيل نمو إيجابي قد يصل الى  1% مع نهاية عام 2025 ، في إشارة إلى بداية مرحلة استعادة التوازن الاقتصادي تدريجيًا وتباطؤ وتيرة التدهور بعد سنوات طويلة من الركود العميق.

في هذا المقال، سنحاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة المحورية:

ما العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا النمو البسيط؟ وهل يمكن اعتباره بداية لانتعاش اقتصادي حقيقي؟

كيف سينعكس هذا النمو على حياة المواطنين؟

وما أبرز القطاعات التي تقود هذا التحسن؟

وأخيراً، ما التحديات التي ما زالت تواجه الاقتصاد السوري في طريق التعافي؟

الانكماش الاقتصادي في سوريا:

الانكماش الاقتصادي هو تراجع في النشاط الاقتصادي العام داخل دولة ما خلال فترة زمنية معينة، ويُقاس بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي وتراجع الإنتاج والاستثمار وارتفاع معدلات البطالة.

في سورية، جاء الانكماش نتيجة العقوبات الاقتصادية، وضعف الإنفاق الحكومي، وتراجع الاستثمارات، وانخفاض الإنتاج المحلي، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العام وتراجع القوة الشرائية.

العوامل المؤثرة في الخروج من الركود الاقتصادي:

1 استقرار العملة المحلية:

استقرار سعر صرف العملة يعني أن قيمتها أمام العملات الأجنبية لا تتقلب بشكل كبير، وهذا يمنح المستثمرين والتجار ثقة في السوق المحلية.

فعندما تكون العملة مستقرة:

يسهل على الشركات وضع خطط مالية طويلة الأمد دون الخوف من خسائر مفاجئة بسبب تغيّر الأسعار.

وتنخفض تكاليف الاستيراد، مما يساعد على تثبيت الأسعار في الأسواق المحلية.

ويزداد الإقبال على الاستثمار لأن بيئة الاقتصاد تصبح أكثر وضوحاً وأقل خطراً.

وبالتالي فإن استقرار العملة يشكل الأساس لأي عملية تعافٍ اقتصادي.

2 زيادة الإنتاج المحلي:

زيادة الإنتاج المحلي تعني أن المصانع والشركات داخل البلد بدأت تعمل بكفاءة أعلى وتنتج كميات أكبر من السلع والخدمات.

وهذا يؤدي لخلق فرص عمل جديدة تقلل البطالة وتحسن الدخل.

وتقليل الاعتماد على الاستيراد وبالتالي المحافظة على العملات الأجنبية داخل الدولة.

بالإضافة لتحسين الميزان التجاري وزيادة الصادرات مما يرفع إيرادات الدولة.

بمعنى آخر، الإنتاج المحلي هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي لأنه يولّد قيمة حقيقية داخل الاقتصاد.

3 ارتفاع الطلب المحلي:

الطلب المحلي هو القوة الشرائية التي يملكها الأفراد والشركات داخل الدولة لشراء السلع والخدمات.

فعندما يبدأ الاقتصاد بالتعافي، ويزداد دخل الأفراد تدريجياً، يتحسن الطلب على المنتجات المحلية، ما يشجع المنتجين على التوسع في الإنتاج.

وبذلك يصبح الاقتصاد في مسار نمو مستدام بدلاً من الركود.

ما الذي يدفع الاقتصاد السوري للتحرك أخيراً؟

بعد فترة طويلة من الانهيار الحاد، شهدت الليرة السورية استقراراً نسبياً وتحسناً محدوداً مقابل العملات الأجنبية، مدفوعة جزئيًا بالتحويلات المالية من الخارج والدعم الدولي، مما ساهم في تقليل تكلفة استيراد بعض السلع الأساسية.

كما لعبت عودة عدد من المستثمرين المحليين دوراً أساسياً في هذا النمو الطفيف، مع تزايد التوجه نحو تأسيس مشاريع في قطاعات متنوعة، بالتزامن مع إصلاحات مالية تهدف إلى تعزيز السياسات النقدية والمالية وجعلها أكثر تماسكًا، وتحسين إدارة المال العام، وتهيئة بيئة استثمارية أكثر استقراراً.

إضافة إلى ذلك، بدأت سوريا بالتركيز على توسيع تعاونها الإقليمي مع بعض دول الجوار، مثل تركيا ودول الخليج، ما أسهم في فتح أسواق جديدة، وجذب استثمارات، وتحسين حركة النقل والتجارة.

هل سيشعر المواطن السوري بهذا التحسن في جيبه ؟

حتى الآن، لم يُحدث هذا النمو الطفيف تحولاً جذرياً في حياة المواطنين اليومية، إذ ما تزال القدرة الشرائية منخفضة، والأسعار غير متناسبة مع مستويات الدخل.

ومع ذلك، بدأت تظهر بعض التحسينات التدريجية مثل زيادة فرص العمل الناتجة عن المشاريع الجديدة وعودة عدد من المصانع الصغيرة والمتوسطة إلى الإنتاج، ما يُعد خطوة أولى نحو تحسين الواقع المعيشي على المدى المتوسط في حال استمر هذا النمو.

أثر النمو الاقتصادي على المجتمع:

عندما يبدأ الاقتصاد بالنمو، لا يقتصر الأثر على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل ينعكس بشكل إيجابي على استقرار المجتمع ككل، إذ يسهم في خفض معدلات البطالة ويحدّ من الهجرة إلى الخارج نتيجة توفر فرص العمل داخل البلاد في مجالات متعددة. كما يشكّل النمو الاقتصادي ركيزة أساسية لتحسين جودة الحياة والخدمات العامة مثل الكهرباء، والنقل، والتعليم، مما يعزز رفاه الأفراد ويدعم استدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

التحديات التي لا تزال قائمة:

أزمة الطاقة والنقل:

رغم مؤشرات التحسن، ما زال الاقتصاد السوري يواجه مجموعة من التحديات الجوهرية، أبرزها استمرار أزمة الطاقة والنقل، التي تؤدي إلى انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي وتعرقل عمل المصانع والمشروعات التجارية، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويحدّ من القدرة التنافسية في التصدير.

الحاجة لإصلاح إداري ومصرفي:

كما تبرز الحاجة إلى إصلاح إداري ومصرفي شامل يضمن كفاءة الخدمات الحكومية وسرعة إنجاز المعاملات، مع تبسيط إجراءات الترخيص وتسجيل الشركات بما يشجع ريادة الأعمال ويحفز النشاط الاقتصادي.

تطوير سياسات البنوك وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي:

أما على المستوى المالي، فلا تزال سياسات البنوك العامة والخاصة بحاجة إلى تطوير لتوسيع نطاق تمويل المشاريع الإنتاجية وتسهيل الإقراض، إضافةً إلى ضرورة إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي من خلال تعزيز الشفافية والمساءلة، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية، وتحقيق استقرار في سعر الصرف والسياسة النقدية.

الرؤية المستقبلية للاقتصاد السوري:

في حال استمرار النمو الاقتصادي بالوتيرة الحالية، من المتوقع أن تدخل سوريا مرحلة التعافي التدريجي من آثار الانكماش الاقتصادي، ومع مواصلة تطوير البنية التحتية وتحسين قطاع الطاقة، يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي للصناعات الإنتاجية والخدمية.

كما سينعكس هذا النمو إيجابيًا على جودة حياة الأفراد من خلال توفير المزيد من فرص العمل المتنوعة وتعزيز استقرار الاقتصاد والعملة المحلية.

لكن تحقيق ذلك يتطلب الاستمرار في تنفيذ إصلاحات قانونية وإدارية تضمن بيئة استثمارية شفافة، وتكفل حماية المستثمرين وتشجع على النشاط الاقتصادي المستدام.

الخاتمة:

رغم أن نسبة النمو المسجلة ما تزال بسيطة، إلا أنها تمثل بداية الطريق نحو التعافي الكامل للاقتصاد السوري.

ويعكس هذا التحسن الجهود الحكومية في ضبط السياسات المالية والنقدية، ومحاولة إعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتشجيع الاستثمارات المحلية والإقليمية.

ويبقى التحدي الحقيقي في الاستمرار بالإصلاح والعمل الدؤوب على تحسين البيئة الاقتصادية رغم العقبات الكثيرة، فالنهوض لا يتحقق إلا بالاستقرار والإنتاج.

ومع استمرار هذا النمو، إلى جانب التعاون الإقليمي والانفتاح على الاستثمارات العربية، قد يمهد الطريق أمام مرحلة تعافٍ أوسع تشمل القطاعات الإنتاجية والخدمية تمكن سوريا من إعادة التوازن لاقتصادها تدريجياً وإحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين

وربما يكون هذا التحسن البطيء اليوم، هو البذرة التي تعيد لسوريا مكانتها الاقتصادية كدولة منتجة وفاعلة في المنطقة.

 برأيك، ما هي الأولوية القصوى التي يجب على سوريا التركيز عليها لتحقيق نمو مستدام؟ شاركنا رأيك في التعليقات أو أرسل لنا رايك عبر البريد ليتم مناقشته والتواصل معك    :

info@cosmic-sy.com

https://cosmic-sy.com